عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
491
اللباب في علوم الكتاب
صدورهم ، فقيل لهم : قاتلوا في سبيل اللّه ، واعلموا أنّ اللّه يحول بين المرء وقلبه فيبدل اللّه الخوف أمنا ، والجبن جراءة . قوله : « بين المرء » العامّة على فتح الميم . وقرأ ابن أبي « 1 » إسحاق : بكسرها على إتباعها لحركة الهمزة ، وذلك أن في : « المرء » لغتين : أفصحهما : فتح الميم مطلقا ، والثانية : اتباع الميم لحركة الإعراب فتقول : هذا مرء - بضم الميم ، ورأيت مرءا - بفتحها ، ومررت بمرء - بكسرها ، وقرأ الحسن « 2 » ، والزهري : بفتح الميم وتشديد الرّاء . وتوجيهها : أن يكون نقل حركة الهمزة إلى الرّاء ، ثم ضعّف الراء ، وأجرى الوصل مجرى الوقف . قوله « وأنّه » يجوز أن تكون الهاء ضمير الأمر والشأن ، وأن تعود على اللّه تعالى ، وهو الأحسن لقوله : « إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ » أي إلى اللّه ؛ ولا تتركون مهملين . قوله وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ . في « لا » وجهان : أحدهما : أنّها ناهية ، وعلى هذا ، فالجملة لا يجوز أن تكون صفة ل « فتنة » لأنّ الجملة الطلبية لا تقع صفة ، ويجوز أن تكون محمولة لقول ، ذلك القول هو الصّفة أي : فتنة مقولا فيها : لا تصيبن ، والنّهي في الصورة للمصيبة ، وفي المعنى للمخاطبين ، وهو في المعنى كقولهم : لا أرينّك ههنا ، أي : لا تتعاطوا أسبابا يصيبكم بسببها مصيبة لا تخص ظالمكم ، ونون التوكيد على هذا في محلّها ، ونظير إضمار القول قوله : [ الرجز ] 2691 - جاءوا بمذق هل رأيت الذّئب قط « 3 » أي مقول فيها ما رأيت . والثاني : أن « لا » نافية ، والجملة صفة ل « فتنة » وهذا واضح من هذه الجهة إلّا أنّه يشكل عليه توكيد المضارع في غير قسم ، ولا طلب ، ولا شرط ، وفيه خلاف : هل يجري المنفي ب « لا » مجرى النّهي ؟ فقال بعضهم : نعم ؛ واستشهد بقوله : [ الطويل ] 2692 - فلا الجارة الدّنيا بها تلحينّها * ولا الضّيف فيها إن أناخ محوّل « 4 »
--> ( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 514 ، البحر المحيط 4 / 477 ، الدر المصون 3 / 410 . ( 2 ) المصدر السابق . ( 3 ) عجز بيت ينسب للعجاج وليس في ديوانه وصدره : حتى إذا جنّ الظلام واختلط * . . . ينظر : أمالي الزجاجي ( 233 ) والمغني 1 / 246 والمقرب 1 / 220 والخزانة 2 / 109 والدرر 2 / 148 والهمع 2 / 117 وأوضح المسالك 3 / 310 والأشموني 3 / 64 ، 99 والعيني 4 / 61 والإنصاف 1 / 115 والارتشاف 2 / 831 والدر المصون 3 / 411 . ( 4 ) البيت للنمر بن تولب ينظر : الأشموني 3 / 418 والمغني 1 / 247 والكافية الشافية 3 / 1404 وجمهرة القرشي 2 / 546 والدر المصون 3 / 411 .